مكتبة الإمام الحكيم العامة
[طباعة] [رجوع]
حول الامام الحکیم
حول الامام الحکیم (قدس سره)

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الإمام الحكيم.. السيرة الذاتية.. المرجعية الدينية.. المنهج العلمي..
تمهيد: الحديث عن الإمام الحكيم قدس سره حديث واسع الأطراف، متعدد الجوانب([1])، لأن الإمام الحكيم بالإضافة إلى شخصيته العلمية، كان أحد المراجع العامين، النادرين في القرن الماضي الهجري.
وقد اقترن عصره بأحداث فريدة في التاريخ الإسلامي، والعالمي، وهي أحداث سقوط الدولة الإسلامية الكبرى، والحرب العالمية الأولى والثانية، والغزو الثقافي والفكري الواسع للعالم الإسلامي، والاحتلال العسكري للعالم الإسلامي بشكل عام ووقوعه في قبضة الكفر العالمي سياسياً، واقتصادياً، وعسكرياً.
وقد عاش حياته في النجف الأشرف، التي كانت تعتبر إلى وقت قريب أهم حاضرة علمية دينية لدى أتباع أهل البيت عليهم السلام، سواء على المستوى العلمي، أم المعنوي، أم الروحي، أم الكثافة والنشاط الديني والسياسي؛ منذ حركة الإصلاح الإسلامي في عصر الميرزا الشيرازي قدس سره، إلى حركة المشروطة التي قادها الشيخ محمد كاظم الآخوند الخراساني قدس سره، والمطالبة بتقييد السلطات المطلقة للحاكم بالدستور، وكذلك التحولات السياسية نحو القومية والوطنية، ثم حركة التحرر والانعتاق من الهيمنة الأجنبية بكل أشكالها، والتي قادها الميرزا محمد تقي الشيرازي قدس سره، وطلابه، وأتباعه.
والعراق كذلك يمثل من الناحية الجغرافية، والديموغرافية، والسياسية، والاقتصادية، والدينية موقعا متميزاً، لا نكاد نجد له نظيراً في العالم الإسلامي. فهو على الحدود الشرقية للعالم العربي، ومنتهى الخليج، ويتكون سكانه من أغلبية عربية شيعية مضطهدة عبر التاريخ الإسلامي، مجاورة لإيران الشيعية، إلى جانب أقلية عربية سنية، لها عمق تاريخي وبشري، يتمثل بالحكم العثماني الحنفي السني، وبالعالم العربي ذي الأغلبية السنية. وإلى جانب الشعب العربي في العراق، توجد قوميات تمثل القوميات الرئيسية في العالم الإسلامي الكرد، والترك، والفرس، مع أقليات دينية يهودية، ومسيحية، وصابئة.
بالإضافة إلى الرافدين العظيمين (دجلة والفرات)، ومعادن النفط الأولى في المنطقة العربية، ومعادن الكبريت... وغيرها من الثروات الطبيعية.
وإلى جانب ذلك العتبات المقدسة لأئمة أهل البيت عليهم السلام، في النجف الأشرف، وكربلاء، والكاظمين، وسامراء، وغيرهم من أئمة ورجال علماء المسلمين، والشخصيات التي تحظى باحترام وتقدير خاصين كميثم التمار، وزيد بن علي بن الحسين عليهم السلام، والسيد محمد بن الإمام الهادي عليهما السلام.
إن كل هذه الأبعاد والجوانب والآفاق، يمكن أن تلقي بظلالها على شخصية الإمام الحكيم، عندما يكون له هذا الموقع السياسي، والاجتماعي، والعلمي، والديني الهام، وهو موقع المرجع الأعلى لأتباع أهل البيت عليهم السلام.
ولكن في هذه المقدمة، سوف أحاول أن أتناول بعض الجوانب والأبعاد، ونترك الكثير من الجوانب، والآفاق، والتفاصيل إلى دراسات مفصلة، قد يوفق إليها الباحثون. وهذه الأبعاد هي الأمور التالية:
1– السيرة الذاتية، ومعالم الشخصية.
2– المرجعية الدينية، وملامحها العامة.
3– المنهج العلمي، والميزات الخاصة.


 

الفصل الأول
السيرة الذاتية ومعالم الشخصية
في هذا الجانب نحاول أن نرسم معالم الشخصية من خلال السيرة الذاتية، حيث تمثل السيرة الذاتية والسلوك العالي الرفيع للإمام الحكيم قدس سره، القاعدة والإطار لتبين معالم الشخصية والنتائج والآثار لها.
المنشأ والمولد:
لقد ولد الإمام الحكيم في أوساط عائلية علمية، حيث كان والده آية الله السيد مهدي الحكيم قدس سره، أحد الأعلام في الحوزة العلمية العربية في النجف الأشرف([2]).
كما كان زوج أخته العلامة السيد أحمد الحكيم قدس سره، أحد الأعلام العلمية في الأوساط الاجتماعية العراقية، وخصوصاً في أوساط الشيعة المؤمنين في بغداد (الكرخ)، واشتراك أسرته -آل الحكيم- مع عدد من الأسر العلمية المعروفة بالآباء القريبين الذين لا يتجاوزون عن الخمسة، كآل بحر العلوم، وآل الحجة، وآل البروجردي، وغيرهم.
اهتمت وعرفت بعد عميدها وجدّها الأول السيد أمير علي الطباطبائي الحكيم بسدانة الروضة الحيدرية المطهرة، بخلاف الأسر العلمية السابقة التي اهتمت بالدراسات العلمية الدينية، ولعل بداية هذا الاهتمام العلمي الواضح في هذه الأسرة الشريفة، هو تصدي عميدها المجتهد الكبير المقدس العارف السيد مهدي الطباطبائي الحكيم والد سيدنا الإمام الحكيم قدس سرهما، حيث يمكن أن يكون لأخواله الأفاضل من آل الأعسم، ومصاهرته للشيخ جعفر الكاظمي أثر مهم في هذا التوجه([3]).
لقد ولد الإمام الحكيم في شوال عام 1306ه‍، ولكنه بدأ حياته حيث فارقه والده وهو في السنتين الأوليتين من عمره، وتوفي عنه والده في بلاد الهجرة جبل عامل سنة 1312ه‍ وعمره ست سنوات، وتركه مع والدته وأخيه الأكبر آية الله السيد محمود الحكيم قدس سره، الذي كان يكبره بعشر سنوات، لتتولى الأم والأخ الكبير تربيته ورعايته في ظروف عائلية ومعاشية صعبة، ولذا بدأ حياته إنساناً مجاهداً لنفسه وفي مجتمعه، وكان عليه أن يختار منهجه ويشق طريقه معتمداً على الله تعالى، وعلى النفس والإرادة وحسن الاختيار.
ويبدو أن الأجواء الروحية والمعنوية التي خلّفها والده وراءه، وكذلك أصحابه([4])، كان لهم دور في هذه الرؤية والتصميم والاختيار، إذا لاحظنا بدقة طبيعة المنهج العلمي والسلوك الأخلاقي والعلاقات الاجتماعية التي كانت تحيط الإمام الحكيم قدس سره في بداية شبابه. لقد كان لليتم، والفقر، والمعرفة الأخلاقية، أثرها العميق في شخصية الإمام الحكيم طيلة حياته، من التوكل على الله تعالى، والثقة بالنفس، والاعتماد عليها، والاستقلال في التفكير، والتربية الذاتية، وبناء الأجهزة والمؤسسات، والممارسة الشخصية للأعمال.
وكذلك في العيش البسيط المتواضع المهذب من التشريفات، والاقتصاد في الإنفاق الشخصي والعام، والاهتمام بالفقراء والضعفاء في خططه وممارساته الشخصية، سواء في الأوساط العامة أم الأوساط العلمية، وكذلك في مجمل الحركة الاجتماعية، والثقافية.
وأيضاً في المنهج والسلوك الأخلاقي، الذي يسايره في جميع أحواله وأقواله وأفعاله وتصرفاته وآثاره.
الاعتماد على النفس:
قد لا يكون من الصدفة والاتفاق، هو أن الأنبياء من أولي العزم، كانوا يتصفون باليتم، كما نلاحظ ذلك في إبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد (صلى الله عليهم أجمعين). بل قد يكون ذلك سراً من الأسرار الإلهية، التي تمنح شخصية النبي عنصراً نفسياً تكاملياً، تجعله قادراً على الاعتماد على النفس، وتحمل المسؤوليات الضخمة التي لا بد له من القيام بها.
والإمام الحكيم يبدو أن اليتم كان له دور مهم من تكوين الجانب النفسي، والذاتي في شخصيته، حيث فقد أباه واقعياً في أول عمره بسبب هجرته البعيدة - وهو في بطن أمه - ثم وفاته بعد ذلك، وعمره ست سنوات، ولم ير أباه إلا في أشهر قليلة، كانت هي أشهر رجوعه إلى العراق أثناء هجرته. ويمكن أن نلاحظ المعالم التالية في شخصية هذا اليتيم، وسلوكه والتي تعبر عن الاعتماد على النفس بعد الله تعالى.


 

الأول: الحرص على القيام بأعماله بنفسه:
كان الإمام الحكيم يحرص على القيام بأعماله بنفسه إلى أقصى حد ممكن، وحتى في التفاصيل الصغيرة، حيث كان هذا الاتجاه الروحي ملازماً لشخصيته إلى آخر أيام حياته. فقد كان يقوم بالبحث، والتدريس، والمراجعة، والكتابة، والتصحيح لكتاباته، دون أن يكلف أحداً من طلابه أو ذويه حتى في أيام شيخوخته. وقد كتب كل هذه المؤلفات الكثيرة، دون أن يكلف أحداً باستنساخها أو بمساعدته.
وعندما اتسعت دائرة الأعمال بسبب المرجعية العامة، كان يقوم بعض مساعديه في إنجاز بعض هذه الأعمال، ولكن كان يقوم هو بنفسه أيضاً ببعضها بالقدر الذي يتسع له وقته، وفي جميع هذه المجالات دون أن يتخلى عن بعضها. كما كان أيضاً يحاول أن يعتمد على نفسه في قضاء حاجاته الخاصة، ويتجنب إلى أقصى حد تكليف الآخرين، أو الطلب منهم في قضاء هذه الحاجات، وحتى في زمن الشيخوخة، لم يتخل عن هذا الاتجاه النفسي. حيث كنت ألاحظ - مثلاً- إنه كان يعد بنفسه كأس الليمون الحامض الذي وصفه الأطباء له كشراب مفيد. كما أنه كان يبادر بنفسه لشرب الماء من موضعه، ونحن جالسون حوله، دون أن يطلب منا تحضير الماء، وهو شيخ تجاوز السبعين. وكان يعد بنفسه فراشه، وأدوات الكتابة، وأقلام القصب، أو ملأ القلم بالحبر، أو غير ذلك من الأمور البسيطة، والدقيقة، دون أن يكلف أحداً بذلك، حتى خدمه أو أولاده.
وفي هذا الاتجاه كنت ألاحظ حرصه - وإلى أواخر أيامه - على أن يباشر بنفسه دفع بعض مساعدات الفقراء والمحتاجين. كما كان أيضاً يباشر بنفسه الاستفسار والسؤال عن الأشخاص الذين يلتقون به من طلاب العلوم الدينية أو الشخصيات أو الكسبة.
بالإضافة إلى ذلك كله، كان يقوم بشكل مباشر بتصفية حسابات الذمم في الحقوق الشرعية، أو تصفية وصايا الأموات، والاستماع المطول لمشكلات الورثة والأحياء، ومحاولة معالجتها اجتماعياً وشرعياً، حيث استمر على هذه الطريقة إلى أواخر أيام عمره وحياته بالقدر الذي يستوعبه وقته الشريف.
وهذا النوع من التعامل مع الناس، بالإضافة إلى ما يعبر عنه من اتجاه نفسي، يرتبط بقضية الاعتماد على النفس، كان له - أيضاً - تأثير روحي ونفسي عميق في نفوس الأوساط التي كانت تتفاعل معه، أو الأشخاص الذين يرتبطون به، حيث يحسون بالارتباط المباشر، والعواطف الحارة اللطيفة التي كان يعبر عنها هذا السلوك، ويتحول في نفوسهم إلى حب عميق له، وتأثر وتلقي تربوي ومعنوي.
الثاني: قوة الإرادة:
لقد كان الإمام الحكيم يتصف بقوة الإرادة والقدرة الفائقة في السيطرة على عواطفه وأحاسيسه، مما يجسد في جانب من هذه الصفة الاعتماد على النفس، وفي جانب آخر الدرجة العالية من جهاد النفس وعنصر التقوى.
وقوة الإرادة عندما تكون في السيطرة والضبط للنفس، واتجاهاتها أمام ما هو محرم وممنوع شرعاً، تكاد أن تكون أمراً طبيعياً في الإنسان الصالح المتقي، فضلاً عن الصالحين من المستوى الخاص، كالإمام الحكيم رحمه الله، ولكن عندما تكون قوة الإرادة في السيطرة على النفس في الأمور المباحة، من أجل الوصول إلى المستوى الأكمل في حركة النفس الإنسانية، وكتعبير عن المعاني والمثل والكمالات الإلهية، تصبح قوة الإرادة ذات مضمون آخر في شخصية الإنسان.
وبهذا الصدد أشير إلى بعض الأمثلة والنماذج ذات الأبعاد المختلفة، التي يمكن بمجموعها التعبير عن هذه الحقيقة والصفة في شخصيته([5]).
1- كان الإمام الحكيم قد ابتلاه الله بمجموعة من الأمراض المزمنة، كأمراض المعدة، والمجاري البولية، والقلب، وسرعة الإصابة بالزكام والبرد، والتعرق الشديد، لأقل الجهد البدني، وقد لازمه فترة طويلة من الزمن ومتفاوتة، الأمر الذي كان يفرض عليه الالتزام بتناول بعض الأدوية، والنظام الخاص في تناول الطعام والشراب، أو الرياضة البدنية كالمشي.
وقد كان هذا الأمر ميداناً لامتحان إرادته، حيث كان يتناول - أحياناً - بعض الأدوية والطعام، لعدة سنوات بشكل منتظم ودقيق من حيث الوقت والكم. كل ذلك فضلاً عن التزامه الدائم منذ صغره ببعض المستحبات الشرعية، والتي لا يكاد يتخلف عنها، كالتزامه بصلاة الليل، والتعقيب بعد الصلاة، والصلاة تحية للمسجد كلما دخله للدرس أو للعبادة، والاهتمام بالمؤمنين، خصوصاً كبار السن، وأولاد الرسول، وطلبة العلوم الدينية، بالقيام لهم وتحيتهم... الخ.
2- ومن الطريف الحاكي عن قوة إرادته، أنه عندما كان في سن السبعين من عمره، منعه الطبيب من التدخين، وكان مشغولاً حينها بتدخين سيكارة، فبمجرد منع الطبيب رمى السيكارة من يده، وكان ذلك آخر عهده بالتدخين، من دون أن يخلف هذا الترك المفاجئ أي أثر على نفسيته، رغم تعوده عليها خلال عشرات السنين.
وقد سأله بعض العلماء بعد عدة سنوات عن حاله تجاه شرب السيكارة، فقال: لا زلت أشتهيها كما تركتها أول الأمر. ولكن دون أن يظهر عليه شيء من ذلك.
3- لقد اعتدى البعثيون المجرمون في العراق عندما جاءوا إلى السلطة، على الإمام الحكيم في عام (1389ه‍ المصادف 1969م) أثناء زيارته لبغداد، حيث داهموا بيته بعد منتصف الليل بادعاء التفتيش، ومحاولة إلقاء القبض على ولده الحجة الشهيد السيد مهدي الحكيم، وفتشوا البيت حتى غرفة الإمام الحكيم قدس سره، ومنذ ذلك الحين لم ير الإمام الحكيم ولده، ولم يسمع بخبره، ومضت عدة شهور على هذه الحالة والإمام الحكيم محتجب بداره في الكوفة احتجاجاً على هذا العدوان، وغيره من الأعمال الإجرامية بحق الإسلام، والحوزة العلمية والمؤمنين بشكل عام.
وكنا نظن في البداية، بأن الإمام الحكيم على علم بخبر ولده، حيث كان قد حفظه الله وأنجاه من أيديهم بأعجوبة وعناية ربانية خاصة، حتى تهيأت للشهيد السيد مهدي فرصة الخروج من العراق، فأخبر الإمام الحكيم بذلك، طلباً للدعاء له بالنجاة، وعندئذ تبين لنا أن الإمام الحكيم لم يكن يعلم عن مصير ولده الحبيب شيئاً، ومع ذلك كان قد احتسب الأمر عند الله تعالى، وسكت على البلاء احتساباً.
4- لقد ابتلي الإمام الحكيم في أواخر أيامه بمرض عجز الكلية عن أداء دورها في تصفية الدم، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع نسبة (اليوريو) في الدم، وهو يؤدي عادة إلى فقدان المريض للتشخيص الدقيق - كما يذكر الأطباء - وقد حدثني الدكتور أحمد ثامر، الذي كان رئيس صحة محافظة كربلاء لفترة طويلة، وكان صديقاً للعائلة، ويتردد على الإمام الحكيم عند زيارته لكربلاء: أنه عندما سمع بمرض الإمام الحكيم لم يحس بضرورة زيارته، لأنه كان يعرف آثار المرض، وبالتالي فسوف لا يتمكن الإمام الحكيم من تشخيصه عند زيارته، ولكنه عندما سمع بأن الإمام الحكيم سوف يسافر إلى لندن، وكان يظن بأن هذا السفر سوف يكون نهاية عمره الشريف، عزم على زيارته مودعاً له، يقول: وعندما دخلت عليه قدس سره، بادرني بالعتاب على عدم الزيارة إلى ذلك الوقت، وأخذ يتحدث إلي بكل وعي وإدراك، فأصبت بالدهشة من ذلك، وعرفت أن هناك سراً في شخصيته، يتجاوز فيه هذه الأعراض الطبيعية للمرض.
وكان هذا الأمر يثير دهشة الأطباء الحاذقين، أمثال الدكتور الأخصائي محمود ثامر([6])، والدكتور الجراح كاظم شبر، وغيرهما ممن كان يتردد على الإمام الحكيم، حيث كانوا يندهشون من قوة الإرادة، والسيطرة على المشاعر والعواطف، حتى أن كاظم شبر ومحمود ثامر ذكرا بأنهما لم يريا الإمام الحكيم يفقد شيئا من إرادته، حتى على مستوى الآداب العامة والمجاملة الراقية، وقد اندهش الدكتور شبر في الثواني الأخيرة من حياة الإمام الحكيم، عندما دخل عليه وهو يحتضر، فواجهه الإمام الحكيم بالشكر، وقال له: (زاحمناك يا دكتور).
لقد كنا نلاحظ هذا الصبر والإرادة القوية بوضوح، ولكن لم نكن ندرك عمقه مثل الأطباء الذين كانوا يعرفون طبيعة المرض وآثاره وآلامه كما صرحوا بذلك.
الثالث: تربية الأولاد والأبناء:
 وقد أعطى الإمام الحكيم الكثير من وقته واهتمامه لتربية ذريته وأهل بيته، في محاولة لتجسيد المسؤولية تجاه الأهل والأولاد في هذا العمل، بالرغم من أن ابتلاءه بتربية أكثر ذريته كان بعد أن أشرف قدس سره على سن الشيخوخة، وأصبح من مراجع الإسلام، الأمر الذي يجعله تحت ضغط الاهتمامات بالقضايا العامة. وكان هذا الموضوع من القضايا ذات الأهمية الخاصة في السيرة الذاتية للإمام الحكيم من ناحية، وفي عمله المرجعي العام من ناحية أخرى.
ولكن سوف نتناول هذا الموضوع هنا من البعد الأول حيث كان من الأبعاد الملفتة للنظر في الحوزة العلمية، ومما يغبط عليه الإمام الحكيم.
معالم التربية عند الإمام الحكيم:
لقد كان قدس سره في موضوع التربية يستهدف بشكل عام وإجمالي بناء الشخصية الإسلامية بأبعادها المختلفة، بحيث يكون نتاج هذه التربية ومحصلها الإنسان الصالح، الذي يسير في طريق الكمالات الإلهية ذاتياً، ويتحمل مسؤولياته تجاه المجتمع الإنساني، ويكون قادراً على الانسجام، والحركة، والتأثير، ضمن هذه الجماعة، سواء في دائرة الأسرة، أو دائرة المجتمع الكبير.
ومع قطع النظر عن مدى استقبال موضوع التربية (الإنسان)، لهذه الأهداف فإن مسؤولية المربي أن يهتم بهذه الأبعاد في هذا الموضوع، ويبذل جهده من خلال المنهج الصحيح لتحقيقها. وفي هذا المجال، نلاحظ الأبعاد التالية، التي كانت تمثل رؤية الإمام الحكيم في تربية أولاده.
أولاً: الاهتمام بشكل خاص بتربية أولاده على روح التقوى الحقيقية، من خلال التأكيد على عناصر (الصدق) و(الأمانة) و(الورع) عن محارم الله، والالتزام بالوظيفة الشرعية والحكم الإلهي، و(تحمل المسؤولية) تجاه الأمة، وقضاياها المصيرية، وتجاه الحوزة العلمية والطلبة، وقضايا الناس وحاجاتهم الحياتية.
وكان الإمام الحكيم يؤكد بشكل أساسي على ثلاث نقاط رئيسية في هذا المجال:
1- الإخلاص لله تعالى في العمل وتوخي رضاه.
2- المصلحة الإسلامية وما يهدى إليه العقل والحكمة، وكان يقول بهذا الصدد: إذا عرضت عليك قضية، ورأى عقلك فيها المصلحة والفائدة، فاعرضها على دينك فإذا رضي بها فافعلها، وإلا فاتركها.
فهو يرى أن أساس حركة سلوك الإنسان هو العقل والمصلحة، ولكن في إطار الشرع والحدود الإلهية.
3- رضا الناس وموقفهم من العمل ومراعاة مشاعرهم وعواطفهم، فالمباح قد يتحول إلى محظور ومحرم، عندما يكون في نظر الناس مرفوضاً أو منكراً.
وفي مجال التقوى والورع، أشير إلى بعض الأمثلة الجزئية في تربية الإمام الحكيم، ولكن لها دلالتها الكبيرة من خلال ملاحظتي الاجتماعية العامة.
1- كان قدس سره يحتفظ بالنقود والأموال الجزئية، التي نحصل عليها في الأعياد والمناسبات، وعندما تمضي عليها سنة كان يخرج خمسها، وأحياناً يعوض هذا الخمس بعد إخراجه احتياطاً للأطفال، ولتربيتهم على هذا الواجب الإسلامي المهم، وهو الخمس، وزرع وازع التقوى في هذا المجال في نفوسهم.
2- عندما يبلغ أحدنا، كان يأمره بالتوبة وإخراج رد المظالم عن الأموال التي كان قد أتلفها في صغره، أو تجاوز عليها.
3- الأمر بالالتزام بالحجاب التام في المنزل بين نساء الأسرة والأقارب الذين يسكنون في دار واحد بين العوائل المتدينة.
4- كان يحتاط في مزاحمة الزوار في العتبات المقدسة أو كفهم عن طريقه، لأنه كان يتورع عن إيذائهم شرعاً ومن ناحية معنوية.
5- كان يحذر من إحداث أي ضوضاء أو صوت عند القيام لصلاة الليل، لأنه كان يتورع عن إيقاظ النائمين وهم أهله وأولاده.
ثانياً: التأكيد على طلب العلوم الدينية، والقيام بالوظائف الشرعية في مجال التدريس والتعليم والتبليغ الإسلامي، حيث نلاحظ أن جميع أولاده قدس سره قد تفرغوا لطلب العلوم الدينية، ومارسوا التدريس والتبليغ، وبلغ بعضهم درجة الاجتهاد، أعلى مراتب التدريس في الحوزة العلمية. كما أن هذا الاتجاه والاهتمام بتحصيل العلوم الدينية، تحول إلى طابع عام للأسرة كلها في زمن الإمام الحكيم، بشهادة كل من عرف أبناءها.
ثالثاً: بناء المكونات الأساسية للشخصية التي كان يراها في حرية التفكير، والاستقلال في الإرادة، والتوكل على الله، والاعتماد على النفس، وحسن الخلق في المعاشرة، والأدب الرفيع في التعامل مع الآخرين، والتواضع في العلاقات، والنظرة الواقعية للأشياء، والاستعداد للتضحية والفداء في أداء الواجب، أو خدمة الناس والمسلمين.
إن هذه العناصر هي أمور وإن كانت مشهورة إلى حد كبير في أولاد وذرية الإمام الحكيم، إلا أن المهم فيها هو اهتمامه قدس سره في إيجاد هذه العناصر والمكونات في الشخصية، ورؤيته لها الذي سوف نتعرف عليه في خلال المنهج الذي اتبعه لهذه التربية.
منهج التربية:
يمكن أن نشير باختصار إلى عدة خطوط، تكون مجموعها منهج التربية لدى الإمام الحكيم.
1- السلوك الشخصي للإمام الحكيم، ودوره في التربية، والذي يعتمد بالأساس على نظرية القدوة في التربية. فقد لاحظ الإمام الحكيم رحمه الله ظاهرة في بعض الأوساط الدينية، والحوزوية، وهي تنكر بعض الأبناء لمسلك آبائهم، بل ارتداد بعض هؤلاء الأبناء على هذا المسلك، في بعض الأحيان مع بقاء حالة تبادل العلاقات والاحترام بين هؤلاء الأبناء والآباء.
وكان قدس سره يوعز ذلك إلى نقطة فيها شيء من الخفاء، وهي أن هؤلاء الأبناء كانوا يشاهدون في سلوك آباءهم بعض الظواهر التي لا تنسجم مع مجمل الادعاءات، والالتزامات التي يتبناها هؤلاء الآباء، ويصبحون في نظر أبنائهم أنهم ممن يقولون ما لا يفعلون، أو يفعلون ما لا يقولون.
ولذلك اهتم هو رحمه الله بالتربية من خلال السلوك، وضرب الأمثال من خلال العمل والالتزام. فكنا نلاحظ التطابق التام بين ما يرشدنا إليه، وبين سلوكه في مختلف جوانبه. لقد كان مجمل سلوكه قدس سره من أروع أساليب التربية على هذا المضمون، حيث كنا نلمس الإخلاص، وروح التقوى، والطهارة، والنقاء في هذا السلوك([7]).
2- الإشراف المباشر على التربية، واستخدام مختلف وسائل التربية والتأديب، من النصيحة والإرشاد والمحاسبة وإلفات النظر والعتاب وحتى الشديد منه، والتهديد باتخاذ الإجراءات المناسبة، والضرب وحتى الشديد منه. وعندما يراجع الإنسان هذه المراتب من الممارسة، يرى أمامه منهج الإسلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمهم هنا أنه قدس سره كان يباشر ذلك بنفسه، وباستمرار دون كلل أو ملل، بل من خلال الشعور بالمسؤولية.
كان يتابع أدق الأمور في هذا المجال، تصرفات الأبناء، والبنات، والزوجات، وماذا يلبس الإنسان، وما هو هندامه، وطريقة تصرفه في بيته، وسلوكه مع زوجته وأولاده وأرحامه، وكيف تتصرف النساء في المجالس العامة والخاصة، إلى غير ذلك من التفاصيل الوثيقة، ويتدخل فيها بحكمة ولطف، يحفظ فيه الاستقلال في الإرادة والاختيار، ويبعد فيه الأضرار والأخطار، ويقف بحزم أمام المحرمات أو المحظورات الشرعية أو العرفية.
ويرى في كل ذلك للمرجعية مقاماً إلهياً، يفرض التزامات استثنائية على أصحابها، كما هو مدلول قوله تعالى:
8]).
3- التحصين واتخاذ الإجراءات المختلفة للصيانة والمحافظة والاحتياط من الوقوع في المحرمات أو الانحرافات، انطلاقاً من النظرية الإسلامية التي جاءت على لسان أهل البيت عليهما السلام (من حام حول الحمى كاد أن يقع فيه)، أو الحمية أفضل من الدواء، والمناعة خير من العلاج.
فقد كان الإمام الحكيم، مثلاً يهتم غاية الاهتمام باختيار الأصحاب والرفقاء، فيمنع من خلطاء السوء، أو اللعب في الأزقة، ومعاشرة السفهاء أو السفلة أو ذوي السمعة السيئة. ويختار لأولاده، أو يظهر قبوله ورضاه بالأصحاب من ذوي العقل، أو متقدمي السن، وأهل الفضل المعروفين بالأمانة والثقة. فالإخوان على قسمين، إخوان المعاشرة، وإخوان الثقة، فلا بد للإنسان من اختيار أخ الثقة.
وكذلك كان يهتم بالزواج المبكر، فإن أكثر أولاده، تزوجوا بين السادسة عشرة والعشرين، لأنه كان يرى أن ذلك، بالإضافة إلى أنه مستحب شرعاً، فهو أفضل طريقة لتحصين الإنسان (من تزوج حفظ نصف دينه، فليتق الله في النصف الآخر).
كما كان يحث على بعض الالتزامات الشرعية منذ الصغر وقبل سن العاشرة، كصلاة الجماعة، وزيارة أئمة أهل البيت عليهم السلام، وكذلك حضور المجالس الحسينية، والاجتماعات العامة النزيهة، حيث كان يرى ذلك مما يحقق مناعة ذاتية، وينمي روح التقوى والمعرفة.
وكذلك كان يحث في مجال المعرفة على قراءة القرآن وحفظه، وقراءة بعض النصوص الدينية، كدعاء كميل، ووصية الإمام علي لولده الحسن عليهما السلام، ورسالته إلى واليه على البصرة عثمان بن حنيف، والخطبة الشقشقية.
4- التأكيد على الاعتبار بالأوضاع التي كان يعيشها المراجع الماضين، والمرجعيات السابقة، والآثار السلبية والايجابية التي كانت تقترن بها، وما انتهت إليه أوضاع أبناء بعض الأسر العلمية من انحرافات، بسبب غفلة الآباء عن التربية، والانشغال بحب الدنيا، أو المظاهر الزائفة للزعامات، وسلوك بعض الحواشي والمستشارين، الذي كان له انعكاسات سلبية على أوضاع المراجع والمرجعيات نفسها.
وأهمية الانطلاق في العلاقات مع مقام المرجعية، سواء في حركة الإنسان الذاتية، أم مع المجتمع من الإحساس بالمسؤولية تجاه هذا المقام الديني الإلهي، وتقديم الخدمة للإسلام والناس، لا من منطلق الاستفادة الشخصية أو الشعور بالفخر والغرور، أو الامتياز. وكان ينبه في هذا المجال، إن هذه الإمكانات المعنوية والمادية المتوفرة، إنما هي ملك الإسلام والأمة، لا الشخص.
الرابع: الاستقلال في التفكير والقرار والحركة الاجتماعية:
لقد كان أحد المعالم الواضحة في شخصية الإمام الحكيم، هو جانب الاستقلال في هذه الشخصية، سواء في التفكير العلمي - كما سوف نعرفه في محله - أو التفكير الاجتماعي، واتخاذ القرارات المصيرية، حيث كان يحاول دائماً أن يدرس القضايا، ويسمع الاستشارات المختلفة فيها، ولكنه يتحمل بشكل مستقل مسؤولية القرار ومستلزماته.
وكذلك كان هذا الاستقلال، صفة واضحة في تربيته الذاتية لنفسه وأولاده، وفي مجمل سلوكه الاجتماعي، حيث لم يرتبط بعلاقاته الحوزوية والاجتماعية العامة، بما يصنفه أو يحدده في مجمل حركته العامة، فلم يرتبط بمرجعية خاصة، مع علاقات ايجابية مع مختلف المرجعيات. كما لم يرتبط بأستاذ معين، أو بمدرسة خاصة، حيث كان يدرس على الشيخ النائيني، والشيخ العراقي في آن واحد، كما أنه استفاد من المدرسة الأصولية للآخوند الخراساني، والفقهية للسيد الطباطبائي اليزدي، وفي المنهج التحليلي العقلي في الاستنباط لمدرسة الأصوليين المتأثرين بالفلسفة غير الناطقين باللغة العربية، بالخصوص الإيرانيين، ومن المنهج العرفي الذوقي في فهم النصوص والقواعد. وكذلك في علاقاته الحوزوية والاجتماعية، كان له أصدقاء مخلصون من العرب العراقيين، واللبنانيين، والإيرانيين.
كما يمكن أن نلاحظ هذا الاستقلال في بنائه للأجهزة، والمؤسسات التي اعتمدت عليها مرجعيته الدينية. إن هذا الاستقلال، سوف نلاحظه بوضوح من خلال مجموعة الأحداث التي عاشها الإمام الحكيم، وسوف نلاحظها في الحديث عن الجانبين الآتيين المرجعي والعلمي.


 

الفقر إلى الله والفقر إلى الناس:
]? ہ ہ ہ ہ    ھھ ھ ھ   ے        ے[([9]).
عندما تحدثنا عن نشأة الإمام الحكيم، عرفنا بأنه عاش فقيراً، وكان يتحدث الإمام الحكيم عن فقره هذا، ويفتخر به أحياناً، حيث كان يصف حاله وحال أهل بيته، بأنه في بداية حياته كان أكثر طعامهم الخبز واللبن، وهما أكثر الأشياء توفراً، وأرخصها ثمناً، وكان التمر أحد المكونات الأساسية للمؤنة السنوية، وهو رخيص في العراق. وقد يكون الفقر في ذلك الزمان هو الطابع العام لطلاب العلوم الدينية، وقد يتفاوتون فيما بينهم في هذا الجانب، ولكن الظروف الاقتصادية الصعبة العامة التي عاشها الإمام الحكيم في بداية حياته، كانت أشد ضغطاً عليه وعلى أسرته من غيره.
والمهم في هذا البعد، هو نظرته قدس سره إلى هذا الفقر وتقييمه له، وكذلك آثاره الروحية والاجتماعية على شخصيته، لأن الفقر في حياة الإنسان له مدلولان مختلفان، إيجابي وسلبي: أحدهما الشعور بالحاجة إلى الله تعالى والفقر الذاتي إليه، الأمر الذي يدفعه نحو السعي للتكامل، لأنه بدون هذا الشعور، لا يمكن للإنسان أن يتحرك نحو الكمال، وصعود مدارج التقدم. وكذلك الإحساس بالآلام والمعاناة التي يشعر بها الفقراء، والصعوبات التي يواجهونها في حياتهم والمواساة لهم، وكيفية الصمود والصبر على هذه الآلام والمعاناة، والاستفادة من هذه التجارب، وهذا المدلول هو ما نراه في الأنبياء والأولياء والصالحين، ممن عرفوا الفقر في حياتهم. كما هو واضح في حياة الأنبياء من أولي العزم.
والمدلول الآخر السلبي، هو ما يمكن أن نصفه بالشعور بالحاجة إلى الناس، والإحساس بالنقص، ومحاولة الهروب من هذا الواقع الأليم، والخروج من هذا الوسط الممتحن، من خلال طلب المال بكل الوسائل، والحرص على جمعه، والاستزادة منه، والبخل في الإنفاق على النفس والآخرين.
ويمكن أن نلمس في شخصية الإمام الحكيم المدلول الأول بشكل واضح من خلال ما عرفناه في الجانب الأول من سيرته الذاتية في الاعتماد على الله والنفس، ولكن بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن نشير إلى المظاهر التالية في سلوكه، والذي يؤثر على هذا المدلول.
الأول: الزهد، والالتزام بالمستوى المعيشي البسيط والمتواضع والمهذب من التشريفات والتزيينات إلى آخر عمره، سواء في سلوكه الشخصي في المأكل والملبس والمسكن والمركب، أم في سلوكه العائلي، أم في سلوكه الاجتماعي، حيث كان الفراش الذي يستعمله يمتد به العمر أكثر من ثلاثين إلى خمسين عاماً، ويكتفي به هو وزوجه أن يكون نظيفاً طاهراً، وفي الملابس سواء في شكلها، أم محتواها، وأسلوب تقمصها، بقي يباشر نفس المستوى والطريقة التي كان عليها في شبابه دون تغيير، وهكذا في مأكله ومسكنه، حتى أن البيت الذي بناه في أواخر أيامه أحد المؤمنين في الكوفة، لم يكن يختلف في بساطته عن بيوت الطبقة دون المتوسطة من الناس في كل شؤونه.
وفي ديوان الاستقبال كان يجلس للناس متواضعاً على البسط الخفيفة الأفغانية والفرش الرخيص، وفي الغرفة الضيقة ذات الجدران العادية ومن دون طلاء، والأخشاب المتواضعة جداً، وفي طريقة استقبال الناس ولقائهم والحديث إليهم ومجالستهم، كل ذلك كان يعبر بوضوح عن هذا المستوى المعيشي المتواضع، الذي يدنو في مجمل تفاصيله من الفقراء، ويبتعد عن الأبهة والفخامة والكبرياء.
كل ذلك والأموال تجري بين يديه، والظروف مواتية، والمقام رفيع، والإنفاق على الآخرين واسع، وفرص الانتفاع أو الاستمتاع متوفرة دون حراجة، بل كان بعض حاشيته أو متعلقيه أو الطلبة والأفاضل أو مؤسساته، تحصل على مستوى أعلى بكثير من هذا المستوى من العيش.
لقد كان (زهداً) دون تكلف، حتى تحس بأن الزهد تحول إلى طبع عادي له، يمارسه بين الناس وكأنه ليس منهم، ودون أن يشعروا بانفصاله عنهم، ويلتزم به دون أن يشعر الآخرون بالحرج من هذا الالتزام، ويربي عليه أهل بيته، لأنه خلق رفيع دون أي ضغط أو عنت.
وهذا هو الزهد الإسلامي، حيث يسير على حياة الإنسان في تفاصيل كثيرة، ودائرة شاملة، دون تكلف أو عناء، وذلك عندما يتخلق الإنسان به يصبح ملكة له، فالزهد ليس مجرد مظهر من مظاهر الإنسان، أو مجرد عزلة وعزوف عن الدنيا والحياة الاجتماعية، وإنما هو خلق إنساني رفيع يتعامل به الإنسان إيجابيا مع الحياة الدنيا، يحولها إلى مزرعة مثمرة للآخرة ]?   ? ? ? ? ?    ? ? ??[([10]).
الثاني: الاقتصاد في الإنفاق مع استيفاء المنفعة، وتحقيق الغرض، والاحتفاظ بماء الوجه، والالتزام بالحدود الشرعية.
لقد كان هذا الاقتصاد يبدأ من نفسه في تفاصيل حركته وعلاقاته، ولكنه نراه أيضا يتجسد في أشياء كثيرة معبرة عن المنهج، حتى البسيط منها كماء وضوئه الذي كان يحرص على عدم الإسراف فيه.
والأوراق التي كان يستخدمها يقتصد فيها في الإنفاق، حيث يقتطع باقي الرسائل المسودة ليكتب عليه الوصولات المالية، أو بعض المذكرات، ويستخدم ظروف الرسائل المستعملة لحفظ الأموال والكتابة عليها. وعندما كنا نتردد على (المعلم) كنا نستعمل أوراق تجارية باطلة نستفيد فيها من ظهر الورقة.
والملابس التي تضيق أو تقصر على الإخوة الكبار يستعملها الصغار، وهناك اقتصاد في استخدام الكهرباء، يبدأ بنفسه وفي أولاده وفي إضاءة البيت العامة، وهكذا في جميع التفاصيل. وفي الطعام سواء في تنظيمه أو الاستفادة من الزائد منه، خبزاً كان، أو مرقاً أو رزاً بائتاً، أو تمراً.
إن مبدأ الاقتصاد في الإنفاق من المبادئ الأساسية المهمة في مجمل السياسة المالية للإمام الحكيم قدس سره، كان يشمل جميع حركاته وأعماله، ويخضع لها جهازه الإداري ونشاطاته الثقافية والاجتماعية، بالإضافة إلى سلوكه الخاص. ولذلك نشاهد في جهازه الإداري عدداً محدوداً من الأشخاص متفرغاً للأعمال العامة، ويحاول أن يستفيد من الطاقات المختلفة والأوقات الزائدة، لهذا الشخص أو ذاك لإدارة العمل.
كما كان يتصف هذا الجهاز الإداري بسبب هذه السياسة بالإخلاص والاندفاع الذاتي، بعيداً عن الجمود والروتين، حيث يمكن توفير العناصر الجيدة، والاقتصاد في الإنفاق المالي، والبساطة في التشكيلات، أو المكان، أو الوسائل.
ونجد هذه السياسة تحكم المشاريع والأعمال التي قام بها الإمام الحكيم والمؤسسات التي بناها، حيث كان يتجنب الإنفاق الزائد فيها على المظاهر والتزيينات، كما كان يحاول أن يستفيد فيها من الأماكن العامة، أو ملأ الفراغات، أو إعادة البناء وتجديده، أو تطوير الموجود منها بحيث يكون كفوء. فعلى سبيل المثال قام الإمام الحكيم بمشروع واسع ثقافي، وهو تأسيس المكتبات العامة الذي سوف نتحدث عنها في جانب آخر، وفي هذا المجال نجد الإمام الحكيم يضع هذه المكتبات إلى جانب المؤسسات الدينية القائمة، فالمركز الرئيسي للمشروع في النجف إلى جانب المسجد الهندي، وفي قطعة الأرض المتبقية من مشروع توسعة المسجد الكبير (الهندي) الذي قام بتنفيذه، والفروع في غرف أو أجنحة للمساجد المختلفة، أو الحسينيات، أو المراكز الدينية الأخرى، باستثناء بعض الموارد التي تهيأت لها فرصة مستقلة للبناء.
كما قام الإمام الحكيم بمشروع توسعة أماكن إسكان الطلبة في النجف، ولكن سياسته في هذا المجال كانت هو إعطاء الأولوية لتجديد وتطوير الأماكن الموجودة، فقام بتجديد وتعمير بعض المدارس، كمدرسة اليزدي الثانية، ومدرسة القوام، ومدرسة الآخوند الكبرى، ومدرسة شريف العلماء في كربلاء، ومدرسة الهندي، ومدرسة البادكوبية، ثم تشجيع البعثات غير العراقية، لبناء مدارس لها، تتولى إدارتها والإشراف والإنفاق عليها، بالإضافة إلى فوائد أخرى، ثم بعد ذلك قام ببناء مدرسة هي دار الحكمة([11]).
إن من الميسور للإمام الحكيم أن يقوم بتأسيس المدارس الخاصة به أو تحت اسمه، ولكنه كان يريد حركة علمية ويستفيد من جميع الإمكانات والطاقات الموجودة. وحتى في طبع بعض كتبه الخاصة، كان يتبع هذه السياسة، كما هو الحال في الطبعة الثانية للمستمسك، وكتاب نهج الفقاهة، والطبعة الثانية لدليل الناسك وغيرها.
وهكذا الحال في سياسة التوزيع للحقوق والرواتب، فإنه بالرغم من أن مدخولات وموارد الإمام الحكيم كانت محدودة بسبب الظروف الاقتصادية العامة، إلا أنه كان يقوم بتغطية واسعة وشاملة للمشاريع والمساحات الحوزوية المختلفة بدون مشاكل، لأن جهازه الإداري أو أوضاعه الخاصة لم تكن تلقي بثقلها على هذه الموارد.
وإذا عرفنا بأن الإمام الحكيم لم يكن يصرف على نفسه وأهل بيته ومتعلقيه أي شيء من سهم الإمام، الذي هو المصدر الأساس لميزانية الحوزة العلمية والمرجعية الدينية، كما أنه قد أذن بشكل عام بصرف سهم السادة على الفقراء السادة، والزكوات، ورد المظالم وغيرها، كما نص على ذلك في رسالته العملية، يمكن أن يفهم أنه في مجمل حركته الخاصة لم يكن يكلف الميزانية العامة شيئاً يذكر، لأنه كان يقتصد ويدير أموره من خلال هذا الاقتصاد.
الثالث: الاهتمام بالفقراء والضعفاء، سواء على المستوى الاجتماعي العام أو الحوزة العلمية.
إن هذا الاهتمام بالفقراء بلا شك له محتوى أخلاقي وشرعي، سوف نشير إليه في الجانب الثالث من السيرة الذاتية، ولكن معاناة الإمام الحكيم في هذا الجانب لها تأثير بالغ، لأن المشاهدة والتجربة هي أعمق من النظرية والمفاهيم مهما كانت النظرية واضحة والمفهوم جلياً. وكان يزيد في تأكيد هذا الاهتمام، هو أن الوسط الذي كان يقلد الإمام الحكيم في بداية نشوء مرجعيته([12]) هو وسط فقير، مثل الأوساط الشعبية العامة العراقية، واللبنانية، والأفغانية، والباكستانية، والهندية، وبعض بلدان الخليج، قبل تطورها الاقتصادي بظهور النفط. ونلاحظ بعض معالم هذا الاهتمام في النقاط التالية:
1- كان الإمام الحكيم يهتم بصلة الفقراء بشكل مباشر، حيث يحمل الأموال بنفسه ليقسمها عليهم في بداية الأمر، ثم بقي ملتزماً بهذه الحالة - جزئياً - إلى آخر أيامه، مع إيكال بعض المساعدات إلى معاونيه لسعة دائرة المساعدات.
2- كان يرى بأن الفقراء المضطرين يمثلون أحد مصاريف السهم المبارك، ويأذن لمقلديه بالإنفاق عليهم من السهم المبارك، لأنه كان يعتقد أن هذا مما يحرز رضا الإمام الحجة (عجل الله فرجه الشريف).
3- كان يهتم في التعامل الاجتماعي مع الفقراء بمراعاة الجانب الروحي، والنفسي، والأدب الاجتماعي العالي معهم، من الاحترام والإكرام.
4- الاهتمام بنشر الثقافة والمعرفة والالتزام في الأوساط الفقيرة نسبياً، وتطوير وضعها الديني، ودفعها لتحمل مسؤوليتها الاجتماعية والمالية، وتنظيم عملية الدفع للحقوق، ولو كانت بكميات صغيرة جداً ومحدودة، وكذلك إيجاد مراكز العبادة والثقافة والتوعية فيها، فكانت أكثر المؤسسات التي بناها أو رعاها في هذه الأوساط.
وهذا الأمر يمثل أحد المناهج والسياسيات العامة، التي كان يلتزم بها الإمام الحكيم رحمه الله، كما سوف تعرف ذلك.
الخامس: الأخلاق والمعرفة:
لقد كانت إحدى الصفات البارزة في الإمام الحكيم، التي يكاد أن يلمسها كل إنسان يعاشره، هي الصفات الأخلاقية والسلوكية التي تتجسد فيها الروحانية العالية، والتخلق بالكمالات الإلهية التي أرادها الله لهذا الإنسان. وقد ذكرنا في بداية الحديث عن السيرة الذاتية، إن الإمام الحكيم تأثر إلى حد كبير بمدرسة الأخلاق والعرفان، التي كان يتفاعل معها والده آية الله السيد مهدي الحكيم قدس سره، وبالرغم من أنه لم يدرك أباه إلا قليلاً، ولكن ترك له الأصدقاء والمحيط الذي كان يرتبط بهذه المدرسة الأخلاقية.
ونحاول هنا في هذا البعد أن نوضح هذه الحقيقة من خلال توضيح مضمون هذه المدرسة بشكل إجمالي، وبيان معالم آثارها في شخصية الإمام الحكيم وسلوكه.
المدارس الأخلاقية:
إن المدارس الأخلاقية، يمكن أن تقسم بشكل أساسي إلى مدارس ثلاثة، كل لها طلابها وروادها والملتزمون بها وبمناهجها.
الأولى: هي المدرسة الفلسفية، التي تحاول أن تستند في رؤيتها للحقائق الأخلاقية والكمالات الإلهية على طريقة المعرفة المنطقية والبراهين العقلية، أو طريقة الكشف والرياضة النفسية الروحية ذات السلوك الخاص، الذي يتجه إلى التمييز بين الخاص والعام، وبين أصحاب المعرفة والسلوك، وعامة الناس المؤمنين.
والعلاقة الأخلاقية بين الإنسان والله تعالى، كما يفهمها هؤلاء الأخلاقيون، هي علاقة المكتشف مع الحقيقة المطلقة، فكلما اقترب هذا الإنسان المكتشف من هذه الحقيقة، كان أكثر كمالا وأسمى أخلاقا. ويحاول أصحاب هذه المدرسة أن يتوصلوا إلى الكمالات الإلهية من خلال معرفة الحقائق الكونية، واكتشاف المزيد من معالم الشهود أو الغيب، بالتفكر والتأمل.
الثانية: المدرسة الصوفية، التي تحاول أن تصل إلى الكمالات الإلهية، من خلال تثوير وتأجيج الأحاسيس والمشاعر والعواطف الخيرة، التي أودعها الله تعالى في الإنسان، والتي تعتمد بشكل أساسي على الحب والتقديس لله تعالى، والصفات الإلهية.
وتهتم هذه المدرسة بتطوير هذه المشاعر، وبالتعبير عنها باستمرار، حيث من خلالها يمكن أن يتوصلوا إلى هذه الكمالات الإلهية. وهم يتصورون العلاقة الأخلاقية بين الإنسان والله تعالى، هي علاقة المحب بحبيبه، والعاشق بمعشوقه. فالخلوة بالمعشوق وعدم الانشغال عنه بغيره واللقاء به والانصراف إليه، كل ذلك من التعبيرات السلوكية عن التكامل الأخلاقي.
الثالثة: المدرسة الشرعية، التي يحاول أبناؤها أن يصلوا إلى الكمالات الإلهية، من خلال الطاعة والامتثال والالتزام بالحدود، والأحكام الشرعية، والورع، والتقوى، واقتران الإيمان بالعمل، والقول والفعل. وإن الكمال الإلهي، لا يصل إليه العبد بنظرهم، إلا من خلال الإيمان، والإيمان له مراتب، يمكن للإنسان أن يتكامل فيها. والتكامل لا يحصل إلا من خلال العمل والتطبيق، والعمل لا يكون إلا من خلال الحكم الشرعي، والحدود الإلهية. والعلاقة الأخلاقية، كما تتصورها هذه المدرسة بين الإنسان والله تعالى، هي علاقة العبد بالمولى، والمطيع بالأمر، والمحكوم بالحاكم.
ولهذه المدارس في منهاجها آثار نفسية وسلوكية واجتماعية على ملتزميها، قد تتداخل، أو تختلف، أو تتكامل([13])، ويتوقف ذلك بشكل إجمالي على حفظ الموازنة بين هذه الخلفية الأخلاقية.
ولا نريد هنا أن نعرف الموازنة ولا التمييز والتفاضل والترجيح بين هذه المدارس، ولكن يبدو من الواضح - والله العالم - إن المدرسة الثالثة في توجهها ومنهجها وسلوكها، تشكل الأساس الذي لا يمكن العدول عنه، بل يمكن الإضافة إليه والتكامل فيه.
هذا كله من قطع النظر عن أصول هذه المدارس، والاستدلال الذي يستخدمه أصحابها لتأكيد صحتها، استناداً إلى الكتاب الكريم أو الأحاديث الشريفة، والسيرة النبوية، أو سيرة الأئمة المعصومين.
ولعل أهم ما تختلف فيه المدرسة الأخيرة عن المدرستين الأوليتين عادة، وفي السيرة الخارجية لها نقطتان مهمتان:
إحداهما: إن منهج المدرسة الأخيرة، واضح من خلال الحكم الشرعي، والحدود الإلهية، فهي تشخص المحتوى الأخلاقي ومضمونه، وفي نفس الوقت تحدد الطريق للوصول إليه استناداً للحكم الشرعي، الذي وضع تحت نظر عامة الناس، وفي متناول أيديهم. بخلاف المدرستين الأخريتين اللتين تحتاجان إلى استنباط منهج للأصول، أو مستوى معين من الإدراك والمعرفة.
ثانيتهما: إن المدرسة الأخيرة تدعو إلى التعايش مع الناس، وتحمل المسؤولية تجاههم في هدايتهم وإرشادهم، أو في خدمتهم ومنفعتهم، أو في الإحسان إليهم، والتآلف معهم، أو غير ذلك مما يرتبط بالجماعة وتكاملها كهدف أساس، حيث تقترن فيها سيرة تكامل الإنسان في ذاته، مع مسيرة تكامل الجماعة، وتكامل الفرد مع تكامل الأمة. ولذلك نجد أبناء هذه المدرسة يتحركون في الأمة وكأنهم أحد أبنائها، ولكنهم في نفس الوقت ليسوا منهم، بل يمثلون النور الهادي فيهم، والموقع القدوة في حركتهم، والمرتفع المتميز بين سطوحهم ومستوياتهم.
وقد كان الإمام الحكيم رحمه الله - كما يبدو - من أبناء هذه المدرسة الأخيرة، ولذا لا يبدو في سلوكه الاجتماعي - كما هو شأن سلوك أبناء هذه المدرسة - أي شيء غير عادي، بالرغم من أنه يمتاز في سلوكه الشخصي والذاتي بشكل واضح. ويمكن أن نرى ذلك واضحاً، عندما ننظر إلى جميع أبعاد النقاط التي ذكرناها سابقا في البعدين السابقين، بالإضافة إلى النقاط التالية:
1- التقوى والورع:
كان الإمام الحكيم يجسد في مجمل سلوكه الورع والتقوى، ولم يكن ذلك في السلوك الفردي له فحسب، بل كانت هذه الصفة والملكة تتجسد في سلوكه العائلي، ومع أولاده وأهل بيته، ثم مع ما يحيط به من أشياء كثيرة، فهو ورع ومتق في التعامل مع اللباس، والطعام، والشراب، والسكن، والأموال. ومع الحديث، والكتابة، والحوزة العلمية، والعلماء. ومع المرجعية وشؤونها، ومع الناس من الأصدقاء والأعداء، ومع المريدين والمنافسين، ومع المحبين والحاسدين، ومع الأحداث السياسية والاجتماعية المختلفة، التي كان يواجهها.
والمهم في التقوى والورع هو هذه الشمولية، حيث تصبح التقوى في الأمور الاجتماعية السياسية من أشد الأمور تعقيداً، لأن مخالفة الورع والتقوى في هذا المجال تقترن - أحياناً - بمبرراتها المصطنعة والمغطاة بغطاء ادعاء المصالح الإسلامية العليا، أو تزاحم الأهم مع المهم، أو حجم المنفعة الكبيرة، مع الأضرار الصغيرة، أو غير ذلك من المبررات التي يسهل تصورها، وتجد طريقها إلى نفس الإنسان، حيث يتحول الإنسان أحياناً إلى وهم يصبح فيه وجوده هو الممثل الكامل للإسلام والمصالح الإسلامية، فكل فائدة ومنفعة له هي منفعة للإسلام، وكل ضرر ينزل به، فهو ضرر للإسلام، وكل عدو له هو عدو للإسلام، وكل تجاوز لشخصيته هو تجاوز للإسلام... إلى آخر هذه التصورات.
إن قضية الورع والتقوى في الأمور السياسية، هي قضية امتحان وابتلاء الصالحين من عباد الله تعالى، حيث يتم اصطفاؤهم واختيارهم من خلال هذا الامتحان العسير الذي تتداخل فيه الصور، وتضطرب فيه الرؤى، وتتحير فيه النفوس، وتضعف فيه الإرادة، أو تتكامل وتقوى.
2- العبادة:
تمثل العبادة التعبير المباشر عن هذا المحتوى الأخلاقي لهذه المدرسة، خصوصاً إذا نظرنا للعبادة بمفهومها الواسع، الذي يعني إتيان العمل في أي مجال كان بقصد التقرب لله تعالى، وتعبيراً عن علاقة العبودية له سبحانه، حيث كان الإمام الحكيم قدس سره في هذا المجال يؤكد على نقطتين:
الأولى: الإخلاص لله تعالى في العمل، كما عرفناه في معالم التربية، وكما كان من جملة وصاياه لمبعوثيه، وللمبلغين في المواسم الدينية، هو السعي لتوفير هذا العنصر في كل الأعمال والفعاليات والنشاطات، وكان يقول: بأن الإخلاص بالإضافة إلى ما يحققه من قرب لله تعالى، ومن الرضا الإلهي عن العمل الذي هو غاية ما ينشده الإنسان ويبتغيه في حياته. فإن الإخلاص أيضاً يمثل مفتاح النجاح والتوفيق للإنسان في أعماله، وهو سر التأثير في الآخرين.
كما كان رحمه الله يتحدث عن هذا الإخلاص عند الممارسة للنشاطات المختلفة، التي قد يشوبها شيء من النوايا الأخرى، مثل المصالح والمنافع الخاصة، أو شيء من الجاه والسمعة، أو للوضع الاجتماعي العام، دون الانتباه إلى الهدف الأصلي لها، وهو رضا الله تعالى.
الثانية: إن قصد القربة يمكن توفيره وتحقيقه، مقروناً بمختلف الأعمال التي يقوم بها الإنسان في حركاته وسكناته، وضرورة الاهتمام بتوفير هذا القصد، والسعي للإتيان بالأعمال والنشاطات التي ورد عن الشارع المقدس الحث عليها، أو طلب الإتيان بها، أو تمثل حاجة طبيعية في تفاصيل حياة الإنسان اليومية، أو العامة([14]). والشيء المهم في هذا المجال، هو أن الإمام الحكيم كان يلمس كل من يعاشره، أنه يحاول أن يطبق جميع أعماله على هذا القصد، بحيث يتحول سلوكه إلى مدرسة للتربية في هذا المجال.
ولكن بالإضافة إلى ذلك كله كان الإمام الحكيم قدس سره يلتزم بمنهجه اليومي بالعبادات والمستحبات التي أكد عليها الشارع المقدس بشكل خاص، والتي يمكن أن نشير إلى بعضها في العناوين التالية: قراءة القرآن الكريم، الصلاة في أول الوقت، النوافل اليومية خصوصاً نافلة الليل والصبح والمغرب والعشاء، التعقيب بعد الصلاة خصوصاً صلاة الصبح حتى طلوع الشمس وكذلك الأذكار، صلاة الجماعة، زيارة أئمة أهل البيت عليهم السلام، الصدقة، صلة الأرحام، صلاة أول الشهر، وصلاة جعفر، وقراءة الأدعية الخاصة كدعاء كميل وأدعية الصحيفة السجادية وأدعية الأيام، وصلاة تحية المسجد.
3- التواضع:
لقد مر الحديث عن الإمام الحكيم أنه كان في مجمل حياته متواضعاً في المأكل والمشرب والملبس والمسكن والسلوك الاجتماعي العام. ولكن مع كل ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن الإمام الحكيم كان يتوخى ويسعى أخلاقياً لأن يعبد الله تعالى بالتواضع في سلوكه، حيث يرى التواضع تعبيراً عن العبودية لله والذلة أمام يديه، كما أنه يرى التواضع صفة مهمة في الإنسان المؤمن، يحبه الله تعالى ويميزه على غيره في عملية الاستبدال، كما وصفه الله تعالى: ]ہ    ہ ھ ھ ھ ھ ے ے[([15]).
فهو يحترم المؤمنين ويتواضع لهم، فيقوم للشيوخ وكبار السن وللفقراء ولطلبة العلوم الدينية المستضعفين. وكان يمنع من السير خلفه في الأماكن العامة إلا للضرورات، ولم يضع الحاجب على باب داره، بل وحتى على باب غرفته إلا في السنين الأخيرة من حياته عندما اتسعت مرجعيته، لتنظيم عملية الدخول عليه في الغرفة والاستفادة من الوقت، وحفظ أسرار بعض الداخلين عليه الذين لهم حديث خاص.
وكان يتجنب كل مظاهر العظمة أو الجاه أو الدعاية والإعلان وكل مظاهر التشريفات. وعندما يدخل المجالس العامة كان يحاول أن يجلس حيث انتهى به الجلوس، ويكاد أن لا يشعر به أحد في دخوله. لقد كان هذا النوع من السلوك الذي يسايره في جميع تصرفاته وأعماله وأوضاعه، موضع إعجاب وتقدير وحب ومودة وتمييز.
4- حسن المعاشرة:
كان من الصفات البارزة في شخصية الإمام الحكيم، حسن المعاشرة للناس بلطف، وأدب رفيع، ووقار، وهيبة. فهو يبتسم ويظهر البشاشة لمن يلتقي بهم ولكن دون مزاح، ويحاول أن يبدأ بالحديث والسؤال لإزالة الكلفة من الزائر أو الذي يلتقي به، حتى لو كان إنساناً بسيطاً، وكان يبدأ بالسلام على المؤمنين أو من يلتقي بهم في الطريق، حتى أن بعضهم يفاجأ بذلك. وكان يحسن للمسيئين إليه ويستغفر لهم. ولا يتحدث في مجلسه بما يسئ لأحد من الناس أو يجرحه.
لقد كان من الصعوبة بمكان، حتى لمقربيه أن يميزوا بين من يحبهم الإمام الحكيم ومن لا يحبهم، حيث كان يتعامل معهم جميعا بالاحترام والإكرام والبشاشة، ويميز بينهم بالعلم والفضل. لقد كان أحد الأشخاص من أهل العلم يتحامل بقسوة على الإمام الحكيم في بعض الأدوار، وكان الإمام الحكيم يرسل إليه بالمال، فقيل له في ذلك، فقال: إن فلاناً متدين في ما أعهد، وهو عندما يتكلم عليّ لأنه يعتقد بما يقول، وإن كان مخطئاً في الواقع فلذا لا بد لي من أن أرعى ذلك فيه.
لقد كان الأدب الاجتماعي الرفيع العالي يتصف به الإمام الحكيم من مقومات حسن المعاشرة هذه، سواء على مستوى المجالات العرفية التي أمر الشارع المقدس بها، حيث لم يتخل الإمام الحكيم عن ذلك حتى في أحرج الأوقات، كما أشرنا سابقاً.
كما لم نلاحظ - وذكر ذلك بعض مقربيه أيضاً - الإمام الحكيم يقهقه في ضحكه أو يمزح بشكل حاد وإنما كان يبتسم، وعندما يرى ما يثير الضحك يتفاعل معه بأدب عال، يجمع فيه بين حسن المعاشرة، ولطافة الذات، والمشاعر الإنسانية، والأدب الرفيع.
كما كان يتمثل هذا الأدب الرفيع في حسن المعاشرة في تعامله مع أهل بيته وأولاده، فهو لم يكن يثقل عليهم بشيء ولا يكاد يكلفهم بشيء يرتبط بشخصه إلا في حدود الضرورات، ولا يحملهم ما يضيق عليهم أو يصيبهم فيه العنت.


 

الفصل الثاني
المرجعية الدينية وملامحها العامة
الحديث عن المرجعية ومرجعية الإمام الحكيم حديث واسع، وسوف أحاول أن أشير إلى بعض الخطوط العريضة العامة، وبعض الملامح الرئيسية، وأترك التفاصيل إلى حديث آخر.
نظرة عامة للمرجعية:
المرجعية الدينية بمفهومها الواسع، قد تعني قيام المجتهد الجامع للشرائط مقام الإمام عليه السلام في مهماته الأساسية الثلاث الولاية، والفتيا، والقضاء. وباعتبار أن المجتهدين كانوا يقومون بالدورين الآخرين، كما دلت عليه النصوص المتضافرة، لم يشك أحد من العلماء في أن المجتهد هو (المرجع) للأمة في هذين المقامين. بل كان العلماء والمجتهدون يقومون بهذين العملين لدى المسلمين حتى في زمن الخلافة الإسلامية، ويرجع إليهم المسلمون في الفتيا والقضاء.
وكان يتولى الخلفاء والسلاطين الولاية، وإدارة الحكم، بطريقة أو أخرى، وتحت مبررات مختلفة لا مجال للحديث عنها هنا.
ويأتي السؤال عن دور المجتهد في ولاية أمور الأمة في زمن غيبة الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، ولا يكاد يوجد شك لدى الفقهاء الإماميين في أن المجتهد له هذا الدور، وإن كانوا يختلفون في سعة دائرة هذه الولاية، وإنها على مستوى (الحسبة) والضرورات الشرعية التي يقطع بأن الشارع لا يرضى بإهمالها وتركها، أو أنها أوسع من ذلك؟ وما هي حدود هذه السعة؟.
كما أنهم قد يختلفون في الدليل الشرعي الذي يدل على هذه الولاية للمجتهد، وأنه هل هو النصوص الشرعية الخاصة من الآيات والروايات مثل قوله عليه السلام: (أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا) أو غيره؟ أو أن العلماء يمثلون القدر المتيقن للحاكم الشرعي للحكومة الإسلامية الذي دل الدليل على وجوب إقامتها؟ أو دليل الحسبة؟ مع فرض أن المجتهد هو القدر المتيقن له أو غير ذلك من أساليب الاستدلال.
هذا على صعيد الخلفية النظرية والفقهية، وأما على صعيد الواقع العملي للأمة، خصوصاً أتباع أهل البيت عليهم السلام، فقد كان المجتهدون يقومون بالفعل بهذه المهمات والمسؤوليات الشرعية الثلاث، وإن كان بشكل محدود بسبب الظروف السياسية والاجتماعية، شأنهم في ذلك شأن أئمة أهل البيت عليهم السلام في بعض الأدوار. وكان العلماء يتعرضون للأذى والمطاردة والتضييق بل الشهادة أحياناً بسبب هذا النوع من التصدي للمسؤوليات.
ولكن المرجعية ازدادت أهميتها ودورها في أوساط أتباع أهل البيت عليهم السلام، عندما أخذت البلاد الإسلامية تتعرض للنفوذ والغزو الأجنبي، وتعرض الكيان السياسي الإسلامي لخطر الانحراف، ثم تعرض بعد ذلك لخطر الانهيار والزوال وسقطت الدولة الإسلامية، الأمر الذي جعل المراجع والمجتهدين أمام مسؤولية جديدة وهي الدفاع عن الوجود الإسلامي، ومن ثم العودة إلى الإسلام بعد انحسار النظام الإسلامي عن المجتمع في مجال التطبيق الاجتماعي وحتى الفردي.
ويبرز سؤال كبير عن الإطار السياسي والمنهج الذي لا بد للأمة أن تتحرك ضمنه في الدعوة للعودة إلى الإسلام أو الدفاع عنه. فهل هو الأحزاب الإسلامية؟ والتنظيمات السياسية السرية أو العلنية؟ أو هو مناهج التربية والتعليم وتأسيس الجمعيات والمدارس؟، أو أسلوب استخدام القوة والثورة الشعبية، وشن حروب التحرير والمقاومة للغزو الأجنبي؟ أو الاكتفاء بالنداءات والنصائح والاستغاثات؟.
هذا كله إلى جانب ظاهرة استفادة القوى السياسية المعادية للإسلام من كل هذه الأساليب، ولكن الأسلوب الأشمل الذي كانت تعتمده هذه القوى هو أسلوب الحزب السياسي.
وكان على المرجعية الدينية أن تختار طريقها ومنهجها الذي ينسجم مع خلفيتها الفكرية والحضارية والشرعية من ناحية، ومع أهدافها في تحصين الأمة وهدايتها وفي العودة إلى الحياة الإسلامية من ناحية أخرى.
وقد عاش الإمام الحكيم - كما ذكرنا آنفاً - هذه الفترة الحساسة من الأوضاع السياسية والاجتماعية، وقد كان تكوين الرؤية النظرية لديه بعد الحرب العالمية الأولى ونتائجها من سقوط الدولة الإسلامية، وقيام الحكومات الوطنية المرتبطة بعجلة الاستعمار العسكري، أو السياسي، أو الثقافي، وكانت بدايات مرجعيته العامة بعد الحرب العالمية الثانية وانقسام العالم إلى المعسكر الغربي والشرقي، وظهور الحرب الباردة واشتداد أوارها من الانقلابات العسكرية والاضطرابات العامة والتيارات الفكرية والثقافية المتطرفة والهدامة، وظهور التيارات الماركسية والاشتراكية والقومية والوطنية... الخ.
وكان على الإمام الحكيم أن يختار طريقه ومنهجه وأسلوبه في خضم هذا التلاطم السياسي والثقافي والاجتماعي، وقد اختار الإمام الحكيم أن يكون هذا الإطار هو (المرجعية) الدينية الذي يجب أن يتحرك ضمنه، سواء على المستوى السياسي أو الثقافي والاجتماعي.
وقد كان هذا الخيار صعبا للغاية، لأنه جاء بعد سلسلة من الانتكاسات في العمل الإسلامي المرجعي في العراق وإيران، البلدين المهمين المركزيين لدى أوساط أتباع أهل البيت. سواء في حركة العلماء الدستورية المعروفة بحركة (المشروطة) في إيران، أم في حركة التحرر من الهيمنة الأجنبية في الحركة المعروفة بـ‍ (ثورة العشرين) سنة (1920 ميلادية) في العراق، للخلاص الحكم الأجنبي الانكليزي. وما تبع هاتين الحركتين من قتل وتشريد ومطاردة للعلماء والمراجع.
وكذلك جاء هذا الخيار بعد تنفيذ المخطط الرهيب لعزل الإسلام وجميع مؤسساته، ومنها الحوزة العلمية والعلماء عن المجتمع والحياة، بحيث تحول الإسلام إلى مجرد تراث في المجتمع يحظى بشيء من التقدير والتقديس والتكريم من خلال المراسيم والأعياد والشعائر العامة.
وتحولت المرجعية على أفضل صورها إلى جزء من هذا التراث يكاد ينحصر في الرجوع إليها في العبادات وقضايا الأموات وبعض الأحوال الشخصية، بل كانت بعض الأوساط العامة تنظر إليها على أنها شيء متخلف من هذا التراث([16]).
وبالرغم من أن المرجعية - كما أشرنا - تمثل في بعدها النظري امتداداً لحركة النبوة والإمامة. ولكن من الناحية الواقعية في الفترة الزمنية التي عاصرها الإمام الحكيم، كانت قد انطوت على نفسها للأسباب السابقة، وأصبحت تعيش عزلة عسيرة في مجمل أوضاعها العامة.
وسوف أتناول هنا خيار الإمام الحكيم هذا من خلال رؤيته للمرجعية والحديث عن التطورات المهمة التي حققها على مستوى العناصر الرئيسية في هذه الرؤية. واختار الساحة العراقية كنموذج لتطبيق هذه الرؤية، علماً بأن مساحات واسعة من العالم الإسلامي الذي يعيش فيه أتباع أهل البيت عليهم السلام، والذين ارتبطوا بمرجعية الإمام الحكيم، وحوزة النجف الأشرف، قد تأثرت بهذه الرؤية والتطورات كما سوف أشير إلى ذلك عرضاً.
1- رؤية الإمام الحكيم للمرجعية لقد كان الإمام الحكيم ينظر إلى إطار المرجعية من خلال إيجاد التكامل بين مجموعة من العناصر، يمكن تلخيصها في الأمور الثلاثة التالية: المرجع، والحوزة، والأمة، مع الفهم الإسلامي لكل واحد منها، وتصور صحيح لدورها في التكامل والعلاقة بينها في الارتباط والأداء وبذلك يمكن من خلالها تحقيق الأهداف المطلوبة.
أولاً: المرجع وجهازه:
يمثل المرجع في نظر الإمام الحكيم أهم عنصر وموقع في إطار النظرية التي يؤمن بها في مجال العمل والتحرك، وهو الموقع القيادي وكان يتصور في شخصية المرجع بعدين مهمين وأساسيين:
أحدهما: الجانب الذاتي الحقيقي الذي تحدثنا عن نموذج له من خلال السيرة الذاتية للإمام الحكيم، والذي يمكن أن نلخصه في أبعاد: العلم، والعدالة العالية([17])، والقدوة في المواصفات الشخصية، والتصدي للعمل المرجعي من موقع الإحساس بالمسؤولية الشرعية تجاه الموقع والأمة.
ثانيهما: الجانب الاجتماعي الحقوقي والذي يتمثل بالإيمان بأن المرجعية هي عبارة عن منصب ديني قيادي يتسم بالنقاء والطهارة والأصالة، ويقوم بواجبات ويتحمل مسؤوليات تجاه الأمة والإسلام، سواء في الاهتمام بقضاياها الكبرى أو الدفاع عن حقوقها أو توعيتها على واجباتها أو تربيتها أو تثقيفها وتعليمها أو تقديم الخدمات المختلفة لها.
وهكذا الأمر تجاه الإسلام والشريعة الإسلامية، حيث تتحمل المرجعية الدعوة إلى الإسلام في السر والعلن والدفاع عنه، سواء في مجال العقيدة أو الشعائر أو الأحكام، والعمل على تطبيقه، وتحمل الآلام، والمعاناة، والجهاد في سبيل الله من أجله. ولا بد للمرجع من التصدي لهذه المسؤوليات، والعمل على توفير الشروط الموضوعية والتشكيلات والمؤسسات المناسبة في الأجهزة الخاصة بالمرجعية أو في الحوزة أو في أوساط الأمة، حتى يمكنه أن يؤدي دوره الكامل.
وفي مراجعة عامة لمرجعية الإمام الحكيم، يمكن أن نشاهد هذه الرؤية في مجمل مسار عمل ونشاطات مرجعيته في مختلف المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية، وحتى في العلاقات الشخصية فضلاً عن العلاقات العامة، وعلى مستوى موقع (المرجع)، يمكن أن نشير إلى بعض المفردات ذات الأهمية والأبعاد الخاصة، والتي توحي بهذا الفهم للمرجع.
المفردة الأولى: اعتماد الإمام الحكيم على إعطاء دور مهم للدواوين النظيفة (البراني) في عمل ونشاط المرجع، فبالرغم من وجود هذه الدواوين في المجتمع بشكل عام وفي الحوزة بشكل خاص، ولكنها كانت مكان للتشريفات أو لإتلاف الوقت أو التندر أو على أفضل تقدير، كانت مجرد نادي أدبي واجتماعي، يقوم بمبادرات فردية في بعض الأحيان.
وأما من خلال التطور الذي أحدثه الإمام الحكيم من خلال رؤيته للمرجعية والمرجع، فقد أصبحت هذه الدواوين كديوان آل بحر العلوم، وآل الشيخ راضي، وآل الحكيم([18]) وغيرها، تقوم بدور مهم في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والعلمية، وتتحمل مسؤوليات وأدوار ضمن هذا الإطار العام.
والمفردة الثانية: جماعة العلماء والتي كانت تضم نخبة مهمة من الطبقة الثانية والثالثة من المجتهدين، حيث كان لها دور سياسي وفكري قيادي مهم، سواء من خلال تصديها وبياناتها أو من خلال مجلة الأضواء الإسلامية. وكانت تمثل فتحا مهما في هذا المجال الإسلامي، واقتدت بها الأوساط الإسلامية في العراق وإيران([19]).
والمفردة الثالثة: الوكلاء والعلماء القياديون الذين كان الإمام الحكيم يطلب منهم التصدي بشكل خاص للعمل السياسي والاجتماعي والثقافي من هذا الموقع كممثلين في هذا المجال، وكان يعينهم ويدعمهم ويشجعهم ويحاسبهم على القيام بهذه المسؤوليات، حيث أوجد الإمام الحكيم تطوراً ملحوظاً في هذا المجال كان له تأثير كبير على مختلف المستويات.
والمفردة الرابعة: تأسيس وتبني المؤسسات ذات الأبعاد المختلفة، ولعل أبرز عمل في هذا المجال هو تأسيسه لشبكة واسعة من المكتبات العامة الإسلامية، وإسناده للعمل الإسلامي المنظم في إطار وتصور مميز. وكذلك تبنيه لبعض المؤسسات التي تحولت من خلال هذا الالتزام إلى عمل ثقافي واجتماعي ضخم، مثل جمعية الصندوق الإسلامي الخيري، أو إسناده لجمعية (جامعة الكوفة).
إن هذه المفردات وغيرها كان يراها الإمام الحكيم مؤسسات وأجهزة لموقع المرجعية، تكتسب أهميتها وفاعليتها وقدرتها ضمن إطار عملها وإدراكها لمسؤولياتها والتزامها بأهداف المرجعية.
والمفردة الخامسة: هي مفردة الحاشية أو المستشارين أو المساعدين، حيث أعطاها الإمام الحكيم روحاً جديداً ليس على مستوى الأداء والتوجه والوعي فحسب، بل على مستوى الالتزامات والتقوى والرقابة من ناحية. وعلى مستوى النوعية في انتخاب الأفراد، الذين كان يهتم أن يكونوا من ذوي الفضل والاجتهاد، أو من الأسر العلمية العريقة في الشرف والنبل، والابتعاد عن حالة الاحتراف الوظيفي.
فبالإضافة إلى أولاده الذين كانوا يقومون بدور في هذا المجال مع اهتمامهم بالدرس والتدريس، نجد أن الأكثرية الساحقة لمساعديه كانت لهم فعاليات ثقافية واجتماعية مباشرة، وشخصيات معروفة في الأوساط العلمية.
وعلى مستوى الانتماء الحوزوي والإقليمي، حيث كان يولي أهمية لتعدد هذه الانتماءات، حيث كان فيهم بالإضافة إلى العراقيين، اللبنانيين، والإيرانيين والأفغانيين والباكستانيين، والهنود، والخليجيين وغيرهم.
وقد أشرنا سابقاً في السيرة الذاتية، إن الحاشية كان يعطيها الإمام الحكيم دور المستشارين من أصحاب الرأي، ودور الإداريين التنفيذيين، دون أن يفقد من خلال وجودهم استقلاله في القرار وتوجيه الأمور. إن هنا رؤية أخرى مهمة للإمام الحكيم للحاشية، هو أنه كان يرى أن من الواجب فيها أن لا تتحول إلى دور وظيفي مهين، بل لا بد أن تبقى تعيش في صميم أوضاع الحوزة وعلاقاتها العلمية والاجتماعية، لتحتفظ بحيويتها وتفاعلها الروحي والنفسي واندفاعها الذاتي. لذا كنا نجد الأغلبية الساحقة لحاشيته تمارس الدرس والتدريس والعلاقات الاجتماعية العادية وحتى في وسط أولاده الصلبيين.
ثانياً: الحوزة العلمية:
تأتي الحوزة العلمية من حيث الأهمية العامة والثابتة في الدرجة الأولى، لأنها هي التي تنتج العلماء والمراجع والقادة، ولكنها من حيث موقع العمل والنشاط والإطار العام للحركة تأتي في الدرجة الثانية من الأهمية، لأنها تمثل المؤسسة التي هي حلقة الوصل بين القيادة (المرجع) والأمة من ناحية، كما تمثل الوسط القادر على التفكير والإبداع والتخطيط و(الكادر) المتقدم في مجمل التحرك الإسلامي في نظرية المرجعية من ناحية أخرى.
والحوزة العلمية كمؤسسة لها وجود وامتداد عميق في التاريخ الإسلامي، سواء على المستوى العام حيث بدأت في الوجود والنشوء زمن النبي صلى الله عليه وآله عندما نزل القرآن بذلك في قوله تعالى: ]? ?            ? ?   ??   ? ? ? ?           ? ? ? ? ? ?     ? ? ? ? ?   ?   ?[ ([20]). أو على المستوى الخاص